ابن كثير

261

البداية والنهاية

الكامل . لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ولده نور الدين المنصور علي ، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة لصغر ابن أستاذه فعزله ودعا إلى نفسه ، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة كما تقدم ، ثم سار إلى التتار فجعل الله على يديه نصرة الاسلام كما ذكرنا ، وقد كان شجاعا بطلا كثير الخير ناصحا للاسلام وأهله ، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرا . ذكر عنه أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب ، فترجل وبقي واقفا على الأرض ثابتا ، والقتال عمال في المعركة ، وهو في موضع السلطان من القلب ، فلما رآه بعض الامراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها فامتنع وقال لذلك الأمير : ما كنت لأحرم المسلمين نفعك . ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل فركب ، فلامه بعض الامراء وقال : يا خوند لم لا ركبت فرس فلان ؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الاسلام بسببك ، فقال : أما أنا فكنت أروح إلى الجنة ، وأما الاسلام فله رب لا يضيعه ، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقا من الملوك ، فأقام للاسلام من يحفظه غيرهم ، ولم يضيع الاسلام . رحمه الله وكان حين سار من مصر في خدمته خلق من كبار الامراء البحرية وغيرهم ، ومعه المنصور صاحب حماه وجماعة من أبناء الملوك . فأرسل إلى صاحب حماه يقول له لا تتعني في مد سماط في هذه الأيام ، وليكن مع الجندي لحمة يأكلها ، والعجل العجل ، وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة ، وهذه بشارة عظيمة ، فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان ، وكان فيها نصر الاسلام . ولما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل ورتب الأمور ، وأرسل بيبرس خلف التتار ليخرجهم ويطردهم عن حلب ، ووعده بنيابتها فلم يف له لما رآه من المصلحة ( 1 ) ، فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك ، فلما عاد إلى مصر تمالا عليه الامراء مع بيبرس فقتلوه بين القرابى والصالحية ( 2 ) ودفن بالقصر ، وكان قبره يزار ، فلما تمكن الظاهر من الملك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس ، وكان لا يعرف بعد ذلك ، قتل يوم السبت سادس عشر من ذي القعدة رحمه الله . وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق ، قال : لما كنا مع الناصر بوطاه برزه جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر ، فقرأت ذلك على السلطان ، فقال :

--> ( 1 ) تقدم أنه فوض نيابة حلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ، وبعد أن استقر السعيد في نيابة حلب سار سيرة رديئة وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية . وفي الروض الزاهر ص 67 : ان الملك صار يظهر تكبرا وتغيرت نيته وفهم السلطان منه ذلك وطلب السلطان أن يفعل في الجهاد شيئا يشكره الله والناس عليه والملك المظفر يمنعه لئلا ينفرد السلطان بالذكر الحسن دونه ( وانظر السلوك 1 / 435 والنجوم 7 / 82 ، 101 ) . ( 2 ) الصالحية : قرية بناها الصالح أيوب لجنده في منطقة السانح على طرف المنطقة الرملية في الطريق بين مصر والشام ( السلوك 1 / 330 ) .